الناقد خيرة جليل حين تحمل ألوان التشكيل قضية وطن عجز التاريخ والسياسة عن حلها تجربة التشكيلي خالد نصار

.....الناقدة : خيرة جليل .... حين تحمل ألوان التشكيل قضية وطن عجز التاريخ والسياسة عن حلها : تجربة التشكيلي خالد نصار

كما سبقت الإشارة في العديد من مقالاتي النقدية، كلنا ندرك أن عوالم الفن لها مرجعيات متعددة ، تجعل المتلقي يربط ذهنيا أو بصريا أشكالها وألوانها بأشياء أخرى سبق له أن رآها، مما يفقدها بعضا من هالتها. فكثير من الأعمال التصويرية تتناص بوضوح مع تيارات ومدارس غربية، واقعية، انطباعية، سريالية...وكذلك حال الأعمال التجريدية، لکن وأنت کمتلقی واع بحیثیات التشکیل وقضیاه ومدارسه ...حین تقف أمام أعمال التشکیلی الفلسطيني الدكتور خالد نصار بن غزة ، تحس فعلا أنک تجردت من کل هذه الحمولات الفکریة والمرجعیات الفلسفية ووقفت سبیا طاٸعا أمام أعمال تسحبک خارج الزمان والمکان ، فتتنقل بین فضاءاتها وتحاور شخوصها دون أن تحس بأدنی قطیعة فکریة أو لغویة، بل وتحس بانعتاق روحي وفكري متحرر من كل ما يربطك إلى شيء ضيق الرؤية والتنظير الفني .
لن نعود إلى السؤال البديهي: من هو التشكيلي خالد نصار ؟ وما هي أعماله؟ لانه تجاوز مرحلة التعبير عن ذاته وهو غني عن التعريف، لأنه أستطاع أن يمر لمرحلة التعبير عن قضية وطنه و يكسر كل حصار مضروب عليه سياسيا واقتصاديا وفنيا، وإنما سنذهب إلى ما هو أبعد من ذلك لطرح الاسئلة التالية:
ما هو الانزياح الفني الذي حققه خالد نصار تحت الحصار الاستعماري الطويل والحصار المرحلي الذي فرضه عليه الحجر الصحي ؟
كيف استطاع ترجمة أفكاره وإحساسه إلى لوحات لتستقر روحه بفضاءات تسبح نحو عوالم الحرية؟
التشكيلي خالد نصار بن غزة المحاصرة مارس الفن التشكيلي كما هو على حقيقته الفنية والجمالية فأخذ من كل شيء من حياته اليومية وواقعه وعالمه المحاصر وقام بصياغته صياغة فنية بطريقة جديدة.......هو التشكيلي الباحث الذي أخذ مفرداته من محيطه ليلخق جمالا يتحدى القصف موضحا بصوت فني قوي أن لكل بالعالم رؤيته ونهجه الخاص والفنان الفلسطيني ليس إرهابيا بل يحمل بين جناحيه ابداعا وجمالا يتغذى من هموم وطنه الجريح...
عند تصفح أعماله ترى أن رؤيته منفتحة على جميع الاحتمالات الفنية بتعدد المعالجات لهذه المواضيع التي تنطوي تحت راية الحق الإنساني الكوني....، مما جعل مجالات العطاء الفني لديه تنتقل بين مدارس فنية متعددة حسب التدرج الزمني لتجربته الفنية وحسب النضج العمري و الفني ... .
الفن التشكيلي لدى نصار أصبح نوعا من الفنون التي يعبر من خلالها عن أفكاره ومشاعره، و يسعى إلى تحويل المواد الأولية إلى أشكال جميلة وخيالية تحمل قضية وطنه التي تسكنه منذ الطفولة من خلال لوحات تجلب اهتمام المتلقي وتشده من خلال حاسة البصر والوجدان والأحاسيس؛ ليصبح الفن البصري أو المرئي لديه حاملا لهمومه وهموم وطنه.
قد نعود لأسئلتنا السابقة، ما هو الإنزياح الفني لديه؟
أعمال التشكيلي خالد نصار الأخيرة تحررت من المدارس الكلاسيكية العادية لترسخ لنفسها نهجا داخل التجردية الرومانسية ولتصل في أوجها للتحرر من جميع القيود التي تحد من ابداعه وحريته ، حافظ على السند "الثوبي الكنفاس" لكنه أخضعه لسلطته الإبداعية. لم يلتزم بالفرشاة العادية فقط بل قام بضربات قوية وأحيانا أشكالا هندسية ذات مساحات مسطحة من الألوان الأساسية، أو تكوينات ذات أشكال متحررة لاتبتعد عن التجريد الغنائي، لكن تنبثق منها أشكالا واجسادا بشرية تعبر عن حركية شديدة وعنيفة وطموحة تسعى للتحرر من قيودها بقدر تشبتها القوي بجذورها بالأرض ، حيث وظف الكف والذراع وقطع الثوب واستعمل الإصابع عوض الفرشاة؛ بل إن ما يميز الأعمال الفنية التشكيلية لديه أكثر هو الخيال الفني الواسع والمتمرد على النمطية والإجترار والمتطلع والغني بمجموعة من الترابطات الذهنية الموجودة في الطبيعة، والتي يلمسها الفنان في عدة أوضاع، كما يمكن اعتباره من أهم الخصائص التي تميز اللوحات التشكيلية الأخيرة لديه، وهذا يعكس عمق التجربة الفنية لأننا نعلم أنه كلما زاد خيال الفنان زاد وزن التجربة الفنية وعمقها وخصوبتها.
كما نجد من اهم انزياحاته الفنية باللوحات هو ذلك
التحريف المقصود المعبر عنه بأشكال والوان؛ حيث يعبر التحريف لديه عن قدرة الفنان الحقيقي على التلاعب بمضامين عمله الفني؛ لإظهار بعض المعاني والتأكيد عليها من خلال حذف، أو إضافة بعضها، بعد ان تدرج بين المدارس الفنية المتعارف عليها.
استطاع أن يحقق الانزياح كذلك على مستوى الأسلوب ونقصد به أنه يمكن وصف الأسلوب بالبصمة الفنية التي ينفرد بها الفنان خالد نصار عن مجموع فنانين العالم العربي وتميزه عن غيره، حيث لم يتحدد العصر الحديث بقواعد للأسلوب المستخدم، فبعض الفنانين استخدم أكثر من أسلوب؛ لإفراغ انفعالاته، مثل: بيكاسو، والبعض استخدم نفس الأسلوب طول حياته، مثل: هنري ماتيس. وخالد نصار اسس لنفسه أسلوبا يميزه ويميز أعماله وسط الساحة الفنيةو أسس لفنه نهجا خاصا لا من حیث البعد الفلسفی ولا من حیث مجموع الرزم اللونیة والضوٸیة ومن حیث توزیع الکتل اللونية وتناغمها وخلفیتها ....فجاءت معظم اللوحات الأخيرة متطلعة لغذ مشرق، وهذا راجع لنفسه الفني الطويل وانفتاحه على العالم و ترجمة تجربته: فنانون بلا حدود. جاعلا من اکراهات عصره وتطلعاته ونظرته لواقع ينتمی الیه هو التغذیة الراجعة التی يشحن منها طاقته الإبداعیة ورٶیته للأشیاء و تنظیره لمفهوم التشکیل الحدیث وتأطیره فی لوحات تسكنها مفاهيم إنسانية كونية؛ ليظهر أن الاشكال التشكيلية التي یخرجها من بین یدیه بشکل غير إرادي من ألوان واشكال ..... هو من اختارها بشکل مزاجی ليعطينا الفن الحقیقی الذي افرغ فیه طاقته الفکریة والجسدیة الحرکیة لتعبر عن قضیة تشغله وتمثل منظوره للجمال حاليا مشكلات صدمة بصرية واريحية نفسية .
من هنا أکرر داٸما لیس هناک فن جمیل وفن بشع؛ بل هناک فن عمیق یعبر عن عمق فني جمالي فکري وفلسفي حيث ليست فیه أیة حرکة أو لطخة أو خط أو نقطة اعتباطیة بل تکون نابعة من ذات الفنان لغایة معینة.
ان لوحات التشكيلي نصار تشكل وطنه حيث
المواطنه به لن تتسم بالإنتماء إلی وطن فقط؛ ولا بالهوية الضيقة ولکن بالتشبث بمجموعه من القیم التی يسعى إليها لتبني عالم الغد؛ وهي قیم الدیقراطیة والتضامن والتسامح والسلام وحق غزة في العيش الكريم بكل حقوقها الإنسانية الكونية. وبما أن الفن يهتم بالصور الحسية وهذه القیم الانسانیه هي قیم اخلاقیه مجرده ؛ فبذلک یصبح التشکیل لدى خالد نصار ارضه الخصبة لیمارس حريته بوسائله الملموسة من اصباغ واسندة واقلام ومفردات للتعبیر عن افکاره وتمثلاته الذهنیه واحاسیسه وردة فعله اتجاه فعل الحصار والحجر، مما يمكنه من التعبير عن موقفه او عن مطالبته بحقه المشروع بشکل حضاری راقی ليرسخ للون الحر فی ممارسة الفعل الابداعي بکل احترافية واحترام لحریات الاخر کفرد او کجماعات او مجتمعات باختلف اعراقها ولغاتها ودیاناتها ۔۔۔۔بشکل سلمي یسمح لجمیع الالوان الصباغیه التي اختارها بكل حریة ان تتقاسم المجال التشکیلی دون ان تمحی خصائص اي لون اخر، مبرزا أن اختلاط لون مع لون اخر او عدة الوان اخری تٶدی الی ظهور لون ناتج عن المزج واضح الجمال ویحمل خصائص الألوان الأصل تلك هي الاجيال المتوارثة للقضية الوطنية ۔
عموما إن التشکیل لدى الفنان لغة تواصلیة یجب أن نسهل تمریرها للطفل و الفرد والمثقف والغير المثقف والأكاديمي والغير الأكاديمي حتی تمارس احتواءً ناعماً soft تجاه أي فرد متمردٍ (عام أو خاص)، لیستطیع التعبیر عن افکاره وسلوکاته بشکل حضاري راق بعیدا عن اي عنف حتی لا یتولد لدینا عنف وعنف مضاد نفسيا وذلک فی اطار احترام الذات والاخر والجماعات فی علاقاتها الیومیه حتی یتم اقتسام المجال في الممارسة الیومیة بهذه المدينة المحاصرة قائلا: نحن شعب نعاني داخل وطننا المغتصب ولسنا ارهابيين، أننا نؤمن بالمواطنة النشیطة التی تستمد مشروعیتها من ثقافة الحق والواجب الكونية وروح الجمال في حدود احترام حقنا كشعب قضيته ضاربة في عمق التاريخ.......الناقدة خيرة جليل .....المغرب  




بعض المراجع المستأنس بها :
1- Nathalie Heinich ).le Paradigme de l'art contemporain Structures d'une révolution artistique 2014 nrg . Gallimard .Paris ،
(2- الناقد التونسی خلیل قویعهKhelil Gouia : العمل الفنی وتحولاته، بین النظر والنظریة ( محاولة فی انشاٸیة النظر). ص53 المرکز العربی للابحاث ودراسة السیاسات
3- بشرى بن فاطمة :”الواقع العربي وتجارب ما بعد الحداثة في الفن التشكيلي من الصورة إلى المفهوم“ دنیا الوطن , تاريخ النشر : 2019-11-08
4- سلافة الماغوط: ” الفن لغة تواصل“...القدس العربی 10 - أكتوبر - 2016